انتشار المذهب المالكي في دولة الكويت

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

المذهب المالكي ـ نسبةً للإمام الجليل المبارك سيدنا أبي عبدالله مالك بن أنس الأصبحي الحميري المدني المتوفى عام 173هـ ـ يُعدُّ من المذاهب الجليلة لدى أهل السنة والجماعة، فمؤسسه من أكابر علماء المدينة المنورة، وتلقى العلم من فقهاء المدينة وأبناء أبناء الصحابة رضوان الله عليهم، وقد كانت أكباد الإبل تُضرب في زمانه للقياه والتلقي عنه واستفتائه، وبلغ في الاجتهاد والعلم شأواً عظيماً حتى رُوي أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور أراد إلزام الناس في مختلف أراضي الدولة العباسية بمذهب الإمام مالك وبما رواه بالموطأ، إلا أن مالكاً رفض ذلك رحمه الله تعالى وقال: “إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع، و تفرقوا في البلدان، وكلٌّ عند نفسه مصيب” (انظر: تاريخ الطبري 11/ 660 ـ ترتيب المدارك للقاضي عياض 1/ 191 ).

وقد انتشر مذهب الإمام مالك في الحجاز (المدينة ومكة وما حولهما) وفي عدة أقطار إسلامية متعددة، ولم يُذكر منها في بدايات انتشار المذاهب السنية المباركة: أقاليم شرق شبه الجزيرة العربية (إقليم عمان وإقليم البحرين وإقليم اليمامة).

تاريخ دولة الكويت

والكويت كانت تاريخياً جزءاً من إقليم البحرين ـ ويُعبّر عنه أحياناً بلواء الأحساء ـ، فكانت سيطرة الدول والملوك على منطقة البحرين والأحساء يتبعها عادةً سيطرتهم على أرض الكويت ـ التي كانت تسمى قديماً في صدر الإسلام بكاظمة، ثم تحولت تدريجياً للقرين والكويت مع بدايات القرن الحادي عشر الهجري.

فللكويت في الإسلام (منذ أن دخلت المنطقة في الإسلام سنة 6هـ بإسلام حاكم البحرين المنذر بن ساوى التميمي بعد الكتاب الذي وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إليه يدعوه فيه للإسلام) تاريخان:

1ـ تاريخٌ قديمٌ: كانت فيه المنطقة تسمى بـ(كاظمة)، فكانت كاظمة أشبه بقرية صغيرة، يغلب عليها أنها محطة للقوافل: قوافلِ الحج للقادمين من البصرة والمشرق، وقوافلِ التجارة، وقوافلِ المسافرين نحو باقي إقليم البحرين وإقليم اليمامة وإقليم عُمان. وحولها مساكن لعدد من القبائل: بني تميم، وبني بكر بن وائل، وغيرهم، وفيها مناطق لا زالت قائمةً لليوم بنفس تسمياتها في صدّر الإسلام: كالعَدَان، وملح، ومغرا (أمغرة) والصليب (الصليبية) وغيرها.

2ـ تاريخٌ حديثٌ: يبدأ من بدايات القرن السابع عشر الميلادي/ الحادي عشر الهجري، حيث بنى الخوالد الذين كانوا يحكمون المنطقة منذ عام 1080هـ: الكوت، وكانت حصناً على البحر لتخزين السلاح وبعض البضائع، والتي توسعت لتصبح مدينة الكويت بعد هجرة العتوب إليها، وسبقها بفترة ليست بعيدة عنها: التجمعات السكانية في جزيرة فيلكا، كما كانت هناك قرى ساحلية متفرقة أقامت بها بعض القبائل كالعوازم.

وقد اختلف المؤرخون والباحثون في سنة تأسيس دولة الكويت الحديثة، وأقربها للصواب ـ والله تعالى أعلم ـ أنها كانت في عام 1022هـجري الموافق 1613م، إذ ذكر ذلك عدد من المصادر، منها: كلام الشيخ قاضي عنيزة محمد بن عثمان بن صالح بن عثمان (ت1436هـ) ، ورسالة للشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت السابع (ت1915م ) يقول فيها وهو يخاطب المعتمد البريطاني:  ” الكويت أرض قفراء نزلها جدنا صباح عام 1022هـ ” (انظر: تاريخ الكويت لمؤلفه الشيخ عبدالعزيز الرشيد طبعة عام 1978م ص31)، وما ذكره  الكولونيل لويس بيلي المعتمد السياسي البريطاني في الخليج في تقريره عام 1863م (التاريخ السياسي للكويت في عهد مبارك تأليف: ج.ج.سلدانها ترجمة: د. الخترش ص11)، كما إن المؤرخ محمد بن خليفة النبهاني قد ذكر تاريخ تأسيس الكويت قريباً من هذا: 1019هـ الموافق1611م (في كتابه: التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية لمؤلفه محمد بن خليفة النبهاني، الطبعة الأولى عام 1949م الجزء العاشر ص126).

أقدم ذكر للمذهب المالكي في أرض الكويت

ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتابه ترتيب المدارك(1/23) أن المذهب المالكي ” …استقر ببلاد العراق بالبصرة، فغلب عليها بابن مهدي (ت198هـ) والقعنبي (ت221هـ) وغيرهما ثم بأتباعهم من ابن المعذل (ت نحو240هـ)، ويعقوب بن شيبة (ت262هـ)،وآل حماد بن زيد…”، وآل حماد بن زيد هي أسرة فقهية ساهمت بنشر المذهب المالكي بالبصرة وبغداد حتى أواخر القرن الثالث الهجري.

فهل انتشار المذهب المالكي في البصرة في بدايات القرن الثالث الهجري كان له تأثير على باديتها؟ وعلى ما حولها من مناطق وقبائل ومنها بادية الكويت؟ لا نستبعد ذلك، خصوصاً إذا علمنا أن قبيلة المنتفق ـ وهي قبيلة من هوازن ـ كانت تتبنى المذهب المالكي حتى عهدٍ قريب، وأول ذكرٍ لها بالتاريخ الإسلامي يعود لعام 378هـ في عهد الخلافة العباسية، حين هاجم شيخ القبيلة الشيخ أصغر القرامطة وانتصر عليهم، وقد كانت مساكن آل المنتفق حول مدينة البصرة وفي جنوبها.

وأقدم ذكر ورد لحضور المذهب المالكي في شرق الجزيرة العربية كان في زمن الدولة العيونية، والتي أسسها عبدالله العيوني من بني عبد قيس، والذي قام بطرد القرامطة من المنطقة والقضاء عليهم عام 464هـ تقريباً، ثم حكم كامل المنطقة (ولاية البحرين ومنها الكويت وأجزاء من عمان وأجزاء من البصرة) من 467هـ إلى 520هـ تقريباً، ثم بدأ حكم العيونيين بالتراجع حتى اختفى تماماً سنة 636هـ.

والمؤرخون والباحثون مختلفون حول مذهب الدولة العيونية، فبينما يرجح بعضهم أنها كانت دولة سنّية، وأنها استعانت بالعلماء المالكية لنشر المذهب المالكي في المنطقة، وأنها تحالفت مع السلاجقة السنة لإسقاط القرامطة، يؤكد بعضهم أنها كانت دولة شيعية، ولها علاقات قوية بالإسماعيلية والزيدية، وأنه قد عُثر على أكثر من 50 قطعة مسكوكة يظهر فيها بعد الشهادتين عبارة (علي وليُّ الله)، ولا يمكن الجزم بشكل دقيق لقلة المصادر من جهة، ولوجاهة الاحتمالات كلها. (انظر على سبيل المثال: الدولة العيونية في البحرين تأليف: د. عبد الرحمن المديرس، وإقليم بلاد البحرين في ظل حكم الدويلات العربية تأليف: محمد محمود خليل، وتسهيل المسالك إلى هداية السالك للشيخ مبارك بن علي الأحسائي).

فإذا تجاوزنا تاريخ الدولة العيونية والخلاف حول مذهبها، فإن الثابت أن الدولة الجبرية كانت مالكية المذهب، وبنو جبر من بني عقيل، وقد ابتدأ حكمهم للمنطقة ـ ومن ضمنها الكويت ـ في 820هـ تقريباً واستمر إلى 928هـ إلى أن اختفت في 931هـ (وبعض المراجع ترى أنها بقيت إلى تمام عام 1000هـ تاريخ حكم العثمانيين للمنطقة)، ومؤسس دولتهم: زامل بن حسين بن ناصر الجبري، ومن أشهر حكّامهم: أَجود بن زامل الجبري ( ت 902هـ) وقد شمل ملكه ولاية عمان والبحرين وما حولها، ووصفه السخاوي في كتابه ( الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 1/190) بقوله: ” وَله إِلْمَام بِبَعْض فروع الْمَالِكِيَّة واعتناء بتحصيل كتبهمْ بل اسْتَقر فِي قَضَائِهِ بِبَعْض أهل السّنة مِنْهُم بعد أَن كَانُوا شيعَة وَأَقَامُوا الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات”.

ومن حكّامهم أيضاً: الشيخ مقرن بن زامل (ت928هـ/1521م)، حيث قتله البرتغاليون رحمه الله، وقد وصفه ابن إياس في بدائع الزهور في وقائع الدهور بأنه مالكي المذهب.

فتاريخُ انتشار المذهب المالكي في الإمارات الساحلية وفي شرق الجزيرة يعود لتاريخ الدولة الجبرية (بدايات القرن التاسع الهجري) التي تبنته بالكامل، وساهمت في نشره واستقدمت العلماء لذلك، على أن هناك ما يشير إلى أن وجود المذهب المالكي بالمنطقة قد يعود لتاريخ أقدم من القرن التاسع الهجري، فقد يعود لأواخر القرن الخامس الهجري إذا أخذنا بالاعتبار الرأي القائل بأن الدولة العيونية كانت مالكية، والله أعلم.

ولهذا: فغالب الخليج مالكية، يقول المؤرخ الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن صالح آل بسام (ت 1423هـ/2003م) في كتابه علماء نجد خلال ثمانية قرون (5/144):

” وكان غالب سكان الخليج يتبعون المذهب المالكي …”

تأسيس الكويت الحديثة على المذهب المالكي

مع تعدد هجرات العُتوب ـ والذين منهم: آل الصباح حكّام دولة الكويت وآل الخليفة حكّام مملكة البحرين وآل الجلاهمة وغيرهم من العوائل ـ الذين استقروا بهم الحال آخر أمرهم في مدينة الكويت في عام 1716م (انظر: تاريخ الخليج لويمر القسم الثالث ص 1501)، ومع بدايات زوال حكم بني خالد عن المنطقة كانت هناك حاجة لاختيار حاكم للكويت، فتم التوافق على كبير أسرة آل الصباح: الشيخ صباح الأول حاكماً لدولة الكويت في تاريخ 1735م على أرجح الأقوال، وكان مذهب العتوب ومنهم الأسرة الحاكمة آل الصباح هو المذهب المالكي.

ملاحظة: العتوب ليس اسمَ قبيلةٍ بل هي اسم مشتق من فعل عتب، جاء في معجم لسان العرب لأبي الفضل ابن منظور الأنصاري في مادة ع ت ب: “وعَتَبَ من مكانٍ إِلى مكانٍ، ومن قولٍ إِلى قولٍ: إِذا اجتاز من موضع إِلى موضع”، ومعلوم عند المؤرخين أن هجرة العتوب تكررت في أكثر من منطقة حتى استقر بهم الحال في مدينة الكويت، وأن غالبهم كانوا من قبيلة عنزة المعروفة ( يمكن الرجوع مثلاً لكتاب تاريخ الكويت للشيخ عبدالعزيز الرشيد وكتاب من تاريخ الكويت للمؤرخ سيف الشملان وكتاب صفحات من تاريخ الكويت للشيخ يوسف بن عيسى القناعي وكتاب تاريخ الكويت السياسي لحسين خلف الشيخ خزعل للاطلاع على تفاصيل هجرة العتوب إلى أن استقر بهم الحال في الكويت)

على أن هناك ما يشير إلى أن انتشار المذهب المالكي بالكويت في عصرها الحديث يعود لحقبةٍ أقدم من قدوم الأسرة الحاكمة وهجرة العتوب.

فقد كان لقبيلة العوازم ـ وهم في نسبهم يعودون إلى هوازن ـ وجودٌ وانتشارٌ في جزيرة فيلكا وفي بعض المناطق والقرى كالصبّية والصبيحية والقرين، وقد كان مذهبهم هو المذهب المالكي، كما يشير لذلك عددٌ من المصادر، فقد جاء في الموسوعة الإسلامية للمستر وثي فليقن (ص 762 الطبعة الجديدة) أن أفراد قبيلة العوازم ينتمون الى المذهب المالكي.

وقد ثبت وجود العوازم في أرض الكويت لفتراتٍ أقدم من ظهور مدينة الكويت الحديثة، فقد ذكر المؤرخ النجدي ابن بسام عدة معارك قديمة بين العوازم وأطرافٍ أخرى في المنطقة التي تقع بها دولة الكويت حالياً: في سنة 1454م/ 858هـ :معركة بين العوازم وزعب ضد حاكم الأحساء الجبري على اللهابة، وفي سنة 1474م/ 879هـ : أخذ العوازم وزعب وآل كثير قافلة لأهل نجد وهي خارجة من البصرة على اللصافة، وفي سنة 1494م 900هـ: معركه بين العوازم وزعب ضد حاكم الأحساء الجبري على ثاج، وفي سنة 1548م 955هـ: معركة بين العوازم وزعب ضد عنزة على ثاج أيضاً، وكل تلك الأحداث جرت في منطقة دولة الكويت الحديثة.

كما إن بعض القبائل التي سكنت في الكويت وأطرافها من القرى الساحلية أو البادية القريبة كانت تتمذهب بالمذهب المالكي، وقد ذكر هارولد ريتشارد ديكسون (ت1959م) الخبير بمنطقة الخليج العربي ـ وخصوصاً دولة الكويت ـ وبَدْوِها في كتابه (عرب الصحراء/ الطبعة الثانية ـ دار الفكر ـ دمشق ـ طـ1998م) عدداً من القبائل التي كانت تتبع المذهب المالكي، فذكر (قبيلة المطير) في ص519 وقال عنهم: ” جميعهم من السنة المالكية “، وذكر (قبيلة العوازم) في ص 526 فقال عنهم: ” المذهب: سنة مالكية “، وذكر (قبيلة الرشايدة) في ص 529 فقال عنهم: ” مذهبهم: السنة من المالكية “

وكانت هناك عبارة منتشرة بين كبار السن من البدو: (لولا مالك، كلٌّ هالك)

كما كانت هناك بعض العوائل التي سكنت في الكويت قرب الكوت أيام حكم الخوالد ـ قبل هجرة العتوب ـ، منهم: أسرة البحر، والسداني، والمصيبيح، وبورسلي، وكلها عوائل كانت تتمذهب بالمذهب المالكي.

ومن باب المعلومة أن بني خالد (الخوالد) الذين كانت لهم سيطرة على الأحساء والبحرين وما حولهما والذين حكموا في الفترة من 1069هـ إلى1207هـ تقريباً، كانوا من أتباع المذهب المالكي وفق ما ذكره الأستاذ عبدالله المنيف الوهبي في كتابه ( بنو خالد وعلاقتهم بنجد ) .

الأسرة الحاكمة في دولة الكويت (آل الصباح) مالكية

ـ جاء في كتاب تاريخ الكويت (ص92) لمؤلفه الشيخ عبد العزيز الرشيد (ت1939م) قوله:

” المسلمون فرقتان …..و(المالكية) ومنهم حكّام البلد وبعض البيوت المعروفة والبادية المتحضرة “. ومثله قد أثبتَه المؤرخ النبهاني في تحفته (8/126) وغيرهما.

ـ وقد كتب الشيخ عبد الكريم الخراساني إلى أمير الكويت الشيخ سالم المبارك الصباح الحاكم التاسع للكويت ينصحه، حيث إنه سمع عنه ما يخالف عقيدة السلف الصالح، فألزق أمير الكويت ورقة بيضاء على كتاب الموطأ للإمام مالك، وكتب على هذه الورقة: (ما في هذا الكتاب هو عقيدتي ومذهبي). وبعث إليه بالنسخة. (انظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام3/539)

ـ وكان الشيخ سالم بن الشيخ مبارك الصباح (ت 1921م) الحاكم التاسع للكويت معروفاً بتديّنه وتفقّهه على المذهب المالكي، وحين سكن الشيخ سالم المبارك قرية الفنطاس ـ جنوب مدينة الكويت ـ لازم فيها على الحضور عند الشيخ أحمد الفارسي دارساً على يديه المذهب المالكي، وكان الشاعر صقر الشبيب (ت1963م) يحضر معهم وهو صغير. (انظر: مقدمة ديوان الشاعر صقر بن سالم الشبيب ص 17)

وقد درس كثيرٌ من أفراد الأسرة الحاكمة (آل الصباح) الكرام لدى الكتاتيب والمدارس التعليمية في أوائل ومنتصف القرن العشرين لدى ثلّة من المشايخ والعلماء والملالي المالكية، ففي مدرسة حمادة ـ وآل حمادة كلهم مالكية ـ درسٌ عدد من أفراد الأسرة الكريمة، فدَرَسَ على يد الشيخ القاضي عبدالعزيز قاسم حمادة (ت1962م) وأخيه الشيخ علي قاسم حمادة (ت1973م) وعلى يد الملا الشيخ يوسف راشد حمادة (ت 2010م) : الشيخ سعد العبدالله الصباح الحاكم الرابع عشر للكويت، والشيخ سالم العلي والشيخ جابر العلي والشيخ نواف الأحمد الحاكم الحالي والسادس عشر للكويت، والشيخ مشعل الأحمد ولي عهد الكويت الحالي، والشيخ سالم صباح السالم الصباح، وآخرون.

وفي المعهد الديني: دَرَّسَ الشيخُ علي قاسم حمادة (ت1973م) الشيخَ جابر الأحمد الحاكم الثالث عشر للكويت والشيخَ سعد العبدالله الصباح الحاكم الرابع عشر للكويت رحمهما الله تعالى.

انتشار المذهب المالكي في الكويت

ـ جاء في تقرير والي البصرة مدحت باشا (ت1884م) المؤرخ في 22كانون الأول 1872م بعد زيارته للكويت قوله:

” وأكثر أهالي نفس القصبة ـ يقصد الكويت ـ على المذهب الشافعي، وقليل منهم على المذهب الحنفي، وكثيرٌ منهم على المذهب المالكي …)

ـ وكتب الشيخ العلامة محمد بن عبدالله الفارس الحنبلي (ت 1908م) في رسالة جوابية مخطوطة وجهها للشيخ مبارك الصباح الحاكم السابع للكويت (ت1915م):

” والكويت من صارت (منذ نشأتها) الله يعمرها بالإسلام وصاحبها فيها من أئمة المذاهب ثلاثة: شافعي ومالكي وحنبلي، والكل لازم أحكام مذهب، ولا تعرض أحد منهم على أحد لكونهم عارفين فضل المذاهب، وأهلها متبعين (متبعون)، وجنابك إن شاء الله ممن يعرف ويتبعه، ودم سالم (سالماً) ” .

ـ وجاء في كتاب تاريخ الكويت (ص92) لمؤلفه الشيخ عبد العزيز الرشيد (ت1939م) قوله:

” المسلمون فرقتان (السنة والشيعة) والأغلبية الساحقة للأولى، ومنهم (الحنابلة) وجلُّهم من المهاجرين من (نجد)، و(الشافعية) وأكثرهم من الأعاجم السنيين (العوضية)، و(المالكية) ومنهم حكّام البلد وبعض البيوت المعروفة والبادية المتحضرة، وأما (الأحناف) فيعدّون على الأصابع”.

ـ ويقول الأديب أحمد تيمور باشا (ت 1348 /هـ1930م) في كتابه (نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية ص 98): ” والغالب على الكويت المالكي”

ـ ويقول المؤرخ محمد بن خليفة النبهاني (ت 1369 هـ/1950 م) في كتابه: التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية (8/126) في حديثه عن الكويت: ” فالحاكم وغالب الأعيان والوجهاء وقسمٌ من العشائر يتمذهبون بمذهب الإمام مالك بن أنس”.

ـ ويقول شيخنا الدكتور محمد فوزي فيض الله (ت1439هـ/2017م) رحمه الله تعالى في كتابه المذاهب الفقهية ص 81:

” ويعتبر المذهب المالكي مذهب الدولة في الكويت في أيامنا، لأن حكامها القدامى كانوا على مذهب الجزيرة العربية التي كانت تتمسك بالمذهب المالكي قبل ظهور دعوة محمد بن عبدالوهاب، فبقي حكامها المحدثون على ما كان عليه آباؤهم من اعتناق المذهب المالكي، وما تزال محاكمهم الشرعية تحكم به حتى الآن …”

قلتُ: وشيخنا قد أقام في دولة الكويت ما يربو على ربع قرنٍ، إماماً في مساجدها ومدرّساً في جامعتها ومفتياً في لجان الفتوى فيها، وهو فقيه حنفي رحمه الله تعالى.

أقدم المخطوطات بالكويت على المذهب المالكي

أقدم مخطوطة عُثر عليها في الكويت تعود لعام 1094هـ الموافق 1682م، وهي موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى، منسوخةً بخط الشيخ مسيعيد بن أحمد بن مساعد العازمي، رحمه الله تعالى.

وهناك مخطوطة لكتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، وهي من أهم كتب السادة المالكية، نسخها عبدالله بن علي بن سعيد بن بحر بتاريخ 29شوال 1138هـ الموافق29/6/1726م.

ونسخ الشيخ عبدالله بن حسين الفارسي (الذي وصف نفسه في آخر المخطوطة بقوله: العوضي بلداً الكويتي مسكناً) كتاب خلاصة الجواهر الزكية في فقه المالكية للشيخ أحمد بن تركي المنشليلي المالكي (ت 979هـ/1571م)، وكان النسخ في: تاسع جمادى الأولى 1284هـ الموافق 29/9/1866م.

المساجد التي قام بها المالكية في الكويت

ونجد المذهب المالكي حاضراً في بعض مساجد الكويت منذ تأسيسها، فالحاج ياسين القناعي ـ والقناعات عائلة كريمة يغلب عليهم التمذهب بالمذهب الشافعي ـ أنشأ مسجداً في حي الوسط سنة 1199هـ/1784م، إلا أن المسجد اشتهر لدى عامة الناس بـ(مسجد السرحان)، وذلك لأن أول إمامٍ له كان اسمه الشيخ سرحان، وكان من علماء المالكية بالكويت، وكان يدرّس الفقه المالكي في المسجد، فلذا غلبت نسبة المسجد لإمامه لنشاطه الفقهي والعلمي فيه، كما ذكر ذلك المؤرخ النبهاني في تحفته (الجزء الثامن ص 199 الطبعة الأولى).

و(مسجد الخليفة) الذي يُعتبر ثاني أقدم مسجد في الكويت، وكان لفترةٍ المسجد الرئيسي في الدولة: أمّه عددٌ من المشايخ والعلماء المالكية.

و(مسجد العبدالرزاق): أمَّه عددٌ من المشايخ والعلماء المالكية، و(مسجد الملا صالح): أسسه الحاكم التاسع للكويت الشيخ سالم المبارك الصباح ـ وهو مالكي ـ، وأمَّ فيه عددٌ من المشايخ المالكية، و(مسجد سعد أخو ناهض) بمنطقة شرق أمّ فيه عدد من مشايخ وعلماء المالكية، و(مسجد النصف) بالحي الشرقي: وأمَّ فيه عدد من الأئمة المالكية، وهناك مساجد أخرى يطول الحديث عنها.

مدارس خاصة بتعليم المذهب المالكي بالكويت

وبينما كانت الدراسة الشرعية في بدايات قيام دولة الكويت تعتمد في أساسها على الكتاتيب المنتشرة في الأحياء والفرجان، وعلى جهود بعض المشايخ المالكية في دروسهم العامة أو الخاصة، فقد كان طالب العلم الذي يرغب بالاستزادة من العلم يلجأ للسفر للحواضر العلمية التي تدرّس المذهب المالكي، وأشهرها: مدارس الأحساء، والأزهر الشريف.

وكمثال: فمن هاجر لتعلم المذهب المالكي: الشيخ مساعد بن العازمي، والذي أتم تعليمه في الأزهر الشريف ـ كما هو مدوّن في شهادته ـ 1298هـ الموافق 1880م.

* ثم ظهرت مدارس خاصة بتعليم المذهب المالكي:

أولاً: مدرسة آل حمادة وكان اسمها (مدرسة الإرشاد):

وقد بدأت من عام 1915م تقريباً، وانتقل مقرّها لأكثر من مكان، ودامت حتى عام 1950م، حيث أُغلقت لانتقال الطلبة والتعليم كله تحت رعاية دائرة المعارف

وآلُ حمادة ـ وهم في النسب من آل نهابة ، يعودون لعبد قيس العدنانية ـ كلهم علماء على المذهب المالكي، ومن أشهرهم:

الملا قاسم حمادة (والد المشايخ عبدالعزيز وعلي)

الشيخ القاضي عبدالعزيز قاسم حمادة (ت1962م)

الشيخ علي بن قاسم حمادة(ت1973م)

المُلّا يوسف راشد حمادة (ت2010م)

ثانياً: مدرسة السعادة للأيتام الأهلية:

والتي أسسها الوجيه المحسن شملان بن علي آل سيف (ت1945م ) في عام1343هـ/ 1922م، وتعتبر ثالث مدرسة نظامية في تاريخ الكويت، واستمرت إلى عام 1934م، وكان تعليم الأيتام والفقراء فيها بالمجان، ولم تكن تقتصر في تعليمها على الأيتام فقط بل ضمت بعضاً من أبناء الأسرة الحاكمة وأبناء التجار ووجوه البلد، حتى وصل عدد الطلبة فيها أكثر من مائتي طالب، وقد كانت هذه المدرسة مختصّةً بتعليم المذهب المالكي فقط، وذلك بعد زيارة الشيخ محمدالخضري بك (ت 1927م، وهو مؤلف الكتاب الشهير بـنور اليقين في السيرة النبوية، وكتاب محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية: الأموية والعباسية، وغيرها من الكتب) للمدرسة واقتراحه لذلك، وقد أورد مؤسس المدرسة الوجيه شملان بن علي ذلك الاقتراح في رسالته التي وجهها للشيخ عبدالعزيز بن صالح العلجي المالكي عام 1930م، حيث يقول فيها: ” ثم شيخنا نرجو من حضرتكم صالح الدعاء، ثم سيدي نبشرك بعد شكر الله أن سهل المولى لنا عملاً منأعمال البر في مدرسة الأيتام، بأن جعلنا معلماً خاصاً للعميان الفقراء، ولما نعلم من جنابك وحبك لفعل الخير بشرناك…. ثم شيخنا لما دخل مدرسة الأيتام الشيخ محمد الخضري استحسنها غاية الاستحسان، ولكن لما رآنا نعلم كل صبي علىمذهبه قال: ما أحبُّ لكم ذلك، بل علّموا كل من فيها على مذهب مالك فاستحسنه، وعملنا بما قال من غير اعتراض علىالمذاهب…” (انظر: كتاب مدرسة السعادة للباحث د. خالد يوسف الشطي إصدار عام 2019م الطبعة الثانية، حيث أورد نص الرسالة كاملة مع صورة ضوئية لها).

مدارس ومعاهد كانت بها فصولٌ لتدريس المذهب المالكي وغيره من المذاهب

أولاً: المدرسة المباركية 1922م

أول مدرسة نظامية في دولة الكويت، وهي المدرسة المباركية التي تأسست عام 1922م، وكان فيها فصل خاص بتدريس المذهب المالكي، وكان من جملة العلماء المدرسين للمذهب المالكي: الشيخ يوسف بن حمود والشيخ عبد العزيز بن حمد آل المبارك والشيخ عثمان عبد اللطيف العثمان وغيرهم.

ثانياً: المعهد الديني:

وحين افتتح المعهد الديني عام 1942م م بطلبٍ من القاضي الشيخ عبدالعزيز حمادة المالكي رحمه الله وبموافقة من أمير الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح (ت1950م) رحمه الله، كان المعهد الديني يضم فصلاً لطلاب الفقه المالكي وشيخهم عيد بن ابداح المطيري، وفصلاً للفقه الشافعي وشيخهم محمد بن محمد صالح العدساني، وفصلاً لطلبة الفقه الحنبلي وكان شيخهم عبد الله النوري.

من أشهر علماء المالكية في الكويت

ومن مشايخ المذهب المالكي في الكويت ـ والأسماء هنا ليست للحصر، إذ سيكون في كتابنا القادم (تاريخ المالكية في الكويت) مزيد على هؤلاء بما يشبه الحصر بعون المولى الكريم ـ:

ـ الشيخ مسيعيد بن أحمد العازمي (كان حيّاً نحو1094هـ/1682م)

ـ الشيخ علي بن سعيد بن بحر (كان حيّاً نحو 1745م)

ـ الشيخ عثمان بن سند بن راشد العنزي ( ت1242هـ / 1827م)

والشيخ ابن سند قد وُلد في قرية الدشت في جزيرة فيلكا 1180هـ /1776م، ووالده كان إمامَ مسجد القرية بفيلكا ومالكي أيضاً، وقد لمع نجم الشيخ ابن سند بعد تبحره في العلوم وهجرته لعدد من الأقطار الإسلامية، وله مؤلفات تدل على علم وافر وفقه غزير، ومنها منظومته لمتن العشماوية في الفقه المالكي، والتي نظمها لابنه عبدالله ليسهل حفظها، وقال في مقدمتها:

وبعدُ فالمشهور بابن سند *** عثمان ذو الذنب الذي لم يعدد

يقول لمّا أن عبدالله *** نجلي عُوفي من هوى الملاهي

رام اشتغالاً بالعلوم النافعة *** وكان للحفظ له مسارعه

والنثر صعب حفظه والنظم لا *** عسر على الحافظ فيه يُجتلى

أسعفته بالنظم للعشماويه *** في فقه مالك إمام الناحيه

ـ الشيخ محمد بن إبراهيم الغانم ( ت 1911م)

ـ الشيخ عبدالله بن محمد السلطان ( ت 1925م)

ـ الشيخ جمعة علي جودر (ت 1930م)

ـ الشيخ يوسف بن حمود (ت 1946م)

ـ الشيخ عيد ابداح المطيري (ت1952م )
ـ الشيخ سعود الصقر (ت 1954م)

ـ الشيخ أحمد عطية الأثري (ت 1961م)

ـ الشيخ مساعد العازمي (ت 1962م)

ـ الشيخ عبدالعزيز قاسم حمادة ( ت1962م)

ـ الشيخ عبد العزيز قاسم حمادة (ت1962م) وقد أصبح الشيخ عبدالعزيز حمادة المالكي قاضياً للكويت في عام 19390م باختيار حاكمها الشيخ أحمد الجابر الصباح (ت 1950م وهو الحاكم العاشر)، وكان يعاونه الشيخ أحمد عطية الأثري وهو مالكي أيضاً، وقد بقي الشيخ حمادة قاضياً للكويت حتى عام 1946م (16 سنة)، وقد وصفه شيخ الأزهر الشيخ الأكبر محمود شلتوت عام 1960م بقوله: ” من كبار علماء الكويت ” .

ـ الشيخ محمد بن حمد الرومي (ت 1966م)

ـ الشيخ علي حمادة (ت 1973م)

ـ الشيخ عثمان عبداللطيف العثمان (ت 1985م)

ـ الشيخ يوسف حمادة ( ت2010م)

ـ الشيخ غصاب محمد الزمانان (ت 2011م)

مشايخ أتقنوا أكثر من مذهب، ومنها: المذهب المالكي

ـ كان الشيخ يوسف بن عيسى القناعي (ت1973م) يتقن المذاهب الثلاثة: الشافعي والمالكي والحنبلي، وذلك بسبب رحلاته العلمية المتعددة إلى الأحساء ومكة المكرمة والمدينة المنورة، ومع أن الشيخ قد اشتُهر بأنه شافعي ـ وله كتاب مختصر في أحكام الفقه على مذهب الشافعي ـ إلا أنه كان يتخير من المذهبين ولا يتقيد بأحدهما، حتى إن بعض من ترجم له نسبه للمذهب المالكي.

ـ وقد ذُكر في ترجمة الشيخ العلامة عبدالوهاب بن عبدالرحمن بن الشيخ محمد بن عبدالله الفارس التميمي (ت1983م) أنه قرأ المذاهب الثلاثة على الشيخ يوسف القناعي، ودرسها عنده.

فقيهة كويتية مالكية

وأول معلمة في قرى الكويت كانت السيدة الفاضلة الشيخة موضي العتيقي، وهي ابنة الشيخ عبد العزيز العتيقي (ت1969م)، وقد دَرَسَت على يد الشيخ عثمان العثمان المالكي، وبعد إكمالها دراستها في مختلف مراحل التعليم توجّهت لتعليم البنات، وكانت معلمةً في أول مدرسة في قرى الكويت بالفحيحيل عام1951م، ثم درّست لاحقاً في المعهد الديني بالفحيحيل المذهبَ المالكي، وكان ذلك عام 1985م فما بعد، وقد توفيت رحمها الله عام 2015م. (من بحث: بدايات التعليم في الكويت لدلال وليد مرزوق الغريب، وهو موجود على الشبكة العنكبوتية)

عوائل كويتية تنتسب إلى فقهاء مالكية

عائلة الزواوي (عائلة من السادة الأشراف عريقة كان يُختار منها مفتٍ للمالكية ومفتٍ للشافعية بمكة المكرمة قديماً)، عائلة العتيقي (عائلة عريقة تعود بالنسب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان جدهم الشيخ حسين بن قاسم شيخ العلا وكان مفتياً على المذهب المالكي) ، عائلة العثمان ـ وهي غير عائلة العثمان النواخذة ـ ( وهي عائلة كريمة من الأحساء تعود لبني خالد، وجدهم الشيخ أحمد بن محمد بن عثمان كان من علماء المالكية بالأحساء، ومن مشايخهم المالكية بالكويت الشيخ عثمان عبداللطيف العثمان وكانت له مدرسة مع إخوانه تسمى مدرسة العثمان )، وهناك عوائل أخرى يحتاج ذكرها لسِفْرٍ عظيم.

علماء مالكية زاروا دولة الكويت

ومن العلماء المالكية الذين زاروا دولة الكويت، فاستقرَّ بعضهم بها لفترةٍ، وبعضهم تكررت زيارته، وبعضهم درّس في مدارسها:

ـ الشيخ محمد عفيفي الباجوري المصري، الشهير بـ محمد الخضري بك (ت1345هـ/1927م)

ـ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الموريتاني ( ت 1932م)

ـ الشيخ عبدالعزيز بن صالح العلجي الأحسائي (ت1943م)

ـ الشيخ عبدالعزيز بن حمد آل المبارك الأحسائي (ت1359هـ/ 1941م)

وآخرون.

هل قانون دولة الكويت ودستورها متقيّد بالمذهب المالكي؟

صدر قانون الأحوال الشخصية في عام 1984م، والذي ينظم مسائل الأحوال الشخصية لأبناء المذهب السني، وغالبه من مذهب الإمام مالك، وبه مسائل من الفقه الحنفي، لكنه نصَّ في المادة (343) منه على ما يلي: «كل ما لم يرد له حكم في هذا القانون يرجع فيه إلى المشهور في مذهب الإمام مالك، فإن لم يوجد المشهور طبق غيره، فإن لم يوجد حكم أصلاً، طبقت المبادئ العامة في المذهب» وكذلك الفقرة «أ» من المادة (246) من القانون نفسه، «يطبق هذا القانون على من كان يطبق عليهم مذهب الإمام مالك، وفي ما عدا ذلك فيطبق عليهم أحكامهم الخاصة بهم».

ـ أما القانون المدني الكويتي الجديد الذي صدر عام 1980م ودخل حيز النفاذ عام 1981م فقد ألغى العمل بمجلة الأحكام العدلية (المأخوذة من الفقه الحنفي التي طُبّقت في الكويت من عام 1938م وحتى عام 1980م)، ولم تكن الشريعة الإسلامية ولا الفقه الإسلامي مصدراً رسمياً للقانون المدني حتى عام 1996م، حيث أجري تعديل للمادة الأولى منه بحيث أصبح تنص على ما يلي: ” 1-تسري النصوص التشريعية على المسائل التي تتناولها هذه النصوص بمنطوقها أو بمفهومها. 2-فإن لم يوجد نص تشريعي، حكم القاضي وفقاً لأحكام الفقه الإسلامي الأكثر اتفاقاً مع واقع البلاد ومصالحها، فإن لم يوجد حكم بمقتضى العرف” ويُلاحظ عدم تقيد المشرع بتطبيق أحكام مذهب إسلامي معين.(انظر: بحث (دور الدين في تشكيل النظام القانوني الكويتي) للمحامي علي العريان، محامٍ وأستاذ مساعد في كلية القانون الكويتية العالمية، والبحث منشور على الشبكة العنكبوتية).

ـ ودولة الكويت في دستورها الذي صدر عام 1962م في عهد حاكم الكويت الحادي عشر الشيخ عبدالله السالم الصباح (ت1965م) في المادة الثانية منه نصّت على «.. والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع»، وجاء في المذكرة التفسيرية للمادة أن المقصود بالشريعة الإسلامية هو الفقه الإسلامي «جميع المذاهب من دون تعيين»، وهذا يدل على أن الدولة ليس مذهبها المالكي هكذا بإطلاق، فلا الدستور نص على مذهب معين ولا مذكرته التفسيرية، ولا قانون الجزاء أو القانون المدني الكويتي، ولا وزارة الأوقاف أو هيئاتها الشرعية ولجان الإفتاء بها اشترطت على نفسها التقيد بالمذهب المالكي أو تقديمه، سوى قانون الأحوال الشخصية الذي نصَّ على مذهب الإمام مالك فيما لا نصَّ فيه.

وعليه: لا يمكن القول: إن مذهب دولة الكويت هو المذهب المالكي بشكل دقيق قانوناً باستثناء قانون الأحوال الشخصية.

واليوم:

فإن هناك عدداً من المشايخ وطلبة العلم من المالكية في الكويت، وهناك نشاط علمي عاد للظهور بين مالكية الكويت، وتم افتتاح فصل لتدريس المذهب المالكي في المرحلة الثانوية بالمعاهد الدينية في الكويت ـ بعد إغلاقه لفترة من الزمن ـ، كما إن هناك دورات علمية لتدريس المذهب المالكي، وما نرجوه ألا يتوقف النشاط العلمي حول المذهب المالكي، ففي ذلك خيرٌ كثير على البلد وعلى الأمة الإسلامية، والله الموفق لكل خير، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكتبه: أبوعبدالله محمد عبدالله سالم

الإمام والخطيب وأمين سر هيئة الفتوى بوزارة الأوقاف بدولة الكويت

الكويت المحروسة في 14صفر 14445هـ الموافق 30/8/2023م